السيد محمد تقي المدرسي
201
من هدى القرآن
[ 31 - 33 ] ونعمة أخرى لأصحاب اليمين هي الماء ( قوام الحياة ) ، يشربونه ويتلذذون بمنظره الرائع ، وهو ينحدر من عَلٍّ مُنسكباً لا ينقطع . وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ ( 31 ) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ تنوعا وعددا ، وهي لا تنفد مهما بالغ المؤمنون في التفكه بها ، كما إنها ليست محدودة ثمرتها بموسم بل هي دانية قطوفها دائما ، ومن جانب آخر لا يمنعهم عنها ولا يمنعها عنهم مانع أبدا ، فهي مباحة شرعا ، نافعة أبدا ، لا شوك في أشجارها يمنعهم ، ولا ارتفاع يصعب عليهم الانتفاع بها . لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ قال رسول الله صلى الله عليه وآله يصف شجرة طوبى : « وَأَسْفَلُهَا ثِمَارُ أَهْلِ الجَنَّةِ وَطَعَامُهُمْ مُتَذَلِّلٌ في بُيُوتِهِم يَكُونُ في القَضِيْبِ مِنْهَا مِائَةُ لَونٍ مِنَ الفَاكِهَةِ مِمَّا رَأيْتُم في دَارٍ [ ثِمَار ] الدُّنْيَا وَمَا لَمْ تَرَوْهُ وَمَا سَمِعْتُم بِهِ وَمَا لَمْ تَسْمَعُوا مِثْلَهَا وَكُلَّمَا يُجْتَنَى مِنْهَا شَيْءٌ نَبَتَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ] « 1 » . وقال صلى الله عليه وآله حاكياً حال أهل الجنة : « والثِّمَارُ دَانِيَةٌ مِنْهُمْ وهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ : وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا مِنْ قُرْبِهَا مِنْهُمْ يَتَنَاوَلُ المُؤْمِنُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ مِنَ الثِّمَارِ بِفِيهِ وهُوَ مُتَّكِئٌ ، وإِنَّ الأَنْوَاعَ مِنَ الفَاكِهَةِ لَيَقُلْنَ لِوَلِيِّ الله : يَا وَلِيَّ الله كُلْنِي قَبْلَ أَنْ تَأْكُلَ هَذَا قَبْلِي » « 2 » . وللمتدبر أن يلاحظ مدى أثر الوعد بهذه النعم في مجتمع يحلم بالماء ويتقاتل عليه ، ويتنقل عبر المفاوز الشاسعة بحثا عن الماء بل سعيا وراء السراب ! كما لا يعرف الفاكهة التي لا تنبت في محيطه إلا كبراؤه ، يجلبونها في تجارتهم وبكميات قليلة محدودة ، أو يزرعون شجرها طمعا في بضع وحيدات منها ! وهي مع قلتها تقطعها الأسباب ، وتمنعها الموانع المختلفة عنهم ، فكيف بهم وهم يجدون أنفسهم أمام تلك النعم العظيمة الوافرة ؟ إن العاقل منهم لا ريب يسعى لنيلها حينما تطمئن بها نفسه . وهنا فكرة لطيفة تفسر اهتمام القرآن بالتركيز على التذكير بجوانب من نعيم الآخرة ، والتفضيل فيه والتشويق إليه في كثير من المواضع ، وهي : إن ذلك يأتي لمقاومة كثير من الانحرافات المعنوية والعملية في حياة الإنسان ، والناتجة من الاغترار بنعم الدنيا ، والخضوع لجاذبيتها ، فقد جاء في كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ » « 3 » . [ 34 - 38 ] وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ افترش الشيءَ : وطئه ، وعرضَه : استباحه بالوقيعة فيه ، وحقيقتَه : جعله لنفسه فراشا يطؤه « 4 » ، فالكلمة فيها دلالتان :
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 8 ص 137 ، تفسير القمي : ج 2 ص 336 . ( 2 ) الكافي : ج 8 ، ص 99 . ( 3 ) الكافي : ج 2 ، ص 131 . ( 4 ) المنجد : مادة فرش .